ابن خاقان
8
قلائد العقيان ومحاسن الأعيان
ولعلّ توالي هذا الاضطراب والاغتراب في حياته ، يتّصلان بطبيعته النفسية التي ما زال منها في عناء ، فإنه كانت له المكانة العالية بين أهل الوقت ، إذ هو لم يتصل إلا بالأمراء والوزراء والفقهاء والقضاة ، وجلّة أهل العلم والأدب في الأندلس . ويصوّره الوزير أبو محمد بن مالك ، بأنه « موكّل بفضاء الأرض يذرعه » ، لا يقيم في مكان واحد ، « ويفارق حتى لا يبالي من النّوى » ، يقول : « فإنّك من أبناء هذا الزّمن ، خليفة الخضر ، لا تستقرّ على وطر ، وكأنك - واللّه يختار لك - فيما تأتيه وتدعه ، موكّل بفضاء الأرض تذرعه ، فحسب من نوى بعشرتك الاستمتاع ، أن يعتدّك من العواري السّريعة الارتجاع » « 1 » . وعلى ذلك ، فإن حياته قد كانت مثالا خاصا بين جلّة العلماء تحقّق الإعجاب ، وتستثير الاستغراب ، وتبعث على الاستهجان ، ولكنّها تبقى حياة تختفي وراء كثير من الأسباب ، لا نعرف منها إلا ما قيّدته الكتب . والمصادر ، تكاد تضنّ بالأخبار عن أفراد أسرته ، فقد استأثر أبو نصر بالحديث دونها ، وكذلك ، فإن أحدا لم يعيّن تاريخ ولادته ، وهو لم يشر إلى ذلك في أثناء كتابه ، والأغلب أنه لا يتجاوز العقد الثامن من القرن الخامس الهجري ( 480 ه ) ، وأمّا تاريخ وفاته فالروايات تكاد تتفق على جعلها في سنة ( 529 ه ) بمدينة مراكش ، أشار بقتله عليّ بن يوسف بن تاشفين ، أمير المسلمين ، وهو أخو أبي إسحاق إبراهيم بن يوسف بن تاشفين ، الذي ألّف له الفتح كتابه القلائد .
--> ( 1 ) القلائد : ورقة 166 .